الكنتي يرد على إمام المسجد الجامع: حتى لا تصبح المنابر متاجرا

أُخرج النقاش السياسي حول تغيير النشيد، وتعديل العلم الوطني من مكانه الطبيعي في أروقة قصر المؤتمرات، إلى منابر المساجد ليلبس لبوس الدين، وما هو من الدين، بل هو من شؤون دنيانا التي نص الشارع على أننا أدرى بها...

تظاهر على عملية التحريف هذه أتباع اتجاه سياسي معروف بإخضاع أحكام الشرع لمصالحه.. )أنظر فتاوى الددو وخطبه حول الشيعة بين 2006 واليوم(،وآخرون أُتوا من طريق آخر...

لقد شجع على استثمار الدين في هذه القضية السياسية، وفي غيرها، تقليد دأبت عليه نخبتنا المثقفة ثقافة إسلامية؛ الخضوع للسلطة الفكرية، ومراعاة الروابط الاجتماعية، بدل الصدع بالحق اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإبراء للذمة بين يدي الله، حتى لا يصدق فينا قوله تعالى.."يستخفون من الناس ولا يستحون من الله..." وقوله تعالى.."...أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين..." غياب النقد هذا، والخوف من الصدع بالحق )الحق ما ينقال كامل( هو الذي شجع أحدهم قديما، على الفتيا بجواز التيمم لمن لا يجد الماء إلا عند أصهاره، مستندا إلى قياس فاسد لم يسبق إليه وهو أن المشقة النفسية كالمشقة البدنية!!! ولا يعلم صاحبهم أن المشقة النفسية في لقاء أبي الزوجة لا أصل لها في الإسلام.. فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جلس بين علي وفاطمة ومد رجليه.. وأصبح هذا التخرص "فتوى" تروى عن من ينتسب للعلم!!!

وكان للرجل خلْف في الثمانينات أفتى بجواز نهب المال العام، مستعملا قياسا آخر فاسدا جعل به المال العام "كشاة بفيفاء"، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمولاه بالنار لشملة غلها على أرض معركة مفتوحة!!! ودون المال العام اليوم من الحروز ما الله به عليم...

على هذه الخطى السريعة إلى الفتيا يسير اليوم بعض المنتسبين إلى العلم فيصف، على صفحات جريدة حزبه السياسي، الشعب، وقادته ب"...الغوغاء والعامية يغيرون ما شاؤوا، فيغيرون هوية البلد، ويغيرون اسم البلد، ويغيرون نشيد البلد، بجرة قلم، وهو [هم] ليسوا مؤهلين لذلك. هذه قضايا شرعية يرجع فيها أولا إلى أهل العلم الشرعي." يعلم الموريتانيون، من غوغاء وعامية، وعلماء ربانيين أن مخرجات الحوار الوطني الشامل ليس فيها تغيير لهوية البلد، ولا تغيير لاسمه الذي أطلقه كبلاني دون استشارة أهل العلم الشرعي، وإنما المقترح هو تغيير النشيد الذي اختاره ولد الديين رحمه الله في انْدر في وحشة من أهل العلم الشرعي وعامية أهل البلاد وغوغائها.

والتغيير المقترح لن يتم بجرة قلم وإنما بعد استفتاء حر نزيه يقول فيه العامة والغوغاء وأهل العلم الشرعي رأيهم بالقبول أو الرفض. أما زعم أن تغيير النشيد ليصبح وطنيا من القضايا الشرعية "التي يرجع فيها إلى أهل العلم الشرعي." فيحتاج إلى دليل لم يقدمه من زعمه. ولم يسبق لأي من البلدان الإسلامية أن عدت نشيدها الوطني من القضايا الشرعية "التي يرجع فيها إلى أهل العلم الشرعي".

ولصاحب هذا القول بلا سند سوابق حين زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغه في المنام أن الحرب في اليمن بين حنابلة وشافعية وزيود جهاد في سبيل الله!!! والله سبحانه وتعالى يقول.."وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..." فسماهم مؤمنين رغم اقتتالهم، وأمر بالصلح بينهم. ولم يدّع أحد من فرقاء حرب اليمن، خاصة الذين صيغت الرؤيا لصالحهم، أنه يقاتل في سبيل الله. ولم يجرأ أحد بالصدع أن تلك الرؤيا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يقبضه الله تعالى حتى عرّف في حديث صحيح الجهاد في سبيل الله.."من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله."

وفتح الباب في قضية إثراء العلم، وتغيير النشيد لتعد في العقائد!!! ويرفع اللون الأخضر والهلال والنجمة إلى مرتبة شعائر الله مثل الحجر الأسود والهدي والقلائد!!! وهو ما يعني أن المسلمين، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، عطلوا شعيرة من شعائر الله حتى جاء أحمد بزيد رحمه الله، في النصف الثاني من القرن العشرين، بجزء من علم وهران متمما لشعائر الله!!!

ثم أتت الطامة الكبرى على يد نائب خطيب المسجد السعودي الذي زعم من فوق منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن "الهلال شعار الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة." )الخطبة بالصوت دون الصورة على موقع بلوار ميديا، نقلا عن صفحة الباحث إسماعيل يعقوب الشيخ سيديا(! سبحانك هذا بهتان عظيم. فكلمة شعار بدلالتها اليوم لم تكن متداولة في لغة العرب، ولم ترد في القرآن، وإنما وردت في حديث الأنصار أنتم الشعار والناس الدثار. والشعار هنا هو الثوب الداخلي الذي يلي شعر الجسد. والقصد في الحديث أن الأنصار خاصة النبي صلى الله عليه وسلم دون بقية الناس.

ولم يتخذ المسلمون، لا في عهد النبوة، أو الخلافة الراشدة، أو الدولة الأموية، أو العباسية، أو غيرها من دول الإسلام، الهلال شعارا، حتى قامت الخلافة العثمانية فأخذته عن الدولة البيزنطية. وقد ورد في كتاب التراتيب الإدارية للشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله (1 / 320( " اتخاذ الهلال شعارا لا يعلم له أصل في الشرع ، ولم يكن معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا في عهد أصحابه رضي الله عنهم ، ولا في عهد التابعين ، وحيث لا تعرفه القرون الفاضلة ، فليس هو من سنة المسلمين ، وإنما انتقل إليهم من غيرهم .قال في "وفيات الأسلاف" : " وضع رسم صورة الهلال على رءوس منارات المساجد بدعة ، وإنما يتداول ملوك الدولة العثمانية رسم الهلال علامة رسمية أخذا من القياصرة ، وأصله أن والد الإسكندر الأكبر لما هجم بعسكره على بيزنطة ، وهي القسطنطينية ، في بعض الليالي دافعه أهلها وغلبوا عليه وطردوه عن البلد ، وصادف ذلك وقت السحر ، فتفاءلوا به واتخذوا رسم الهلال في علمهم الرسمي تذكيرا للحادثة ، وورث ذلك منهم القياصرة ، ثم العثمانية لما غلبوا عليها ، ثم حدث ذلك في بلاد قازان " انتهى .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله" :وضع الأهلة على المنائر قيل : إن بعض المسلمين الذين قلدوا غيرهم فيما يصنعونه على معابدهم ، وضعوا الهلال بإزاء وضع النصارى الصليب على معابدهم ، كما سموا دور الإسعافات للمرضى ( الهلال الأحمر ) بإزاء تسمية النصارى لها بـ ( الصليب الأحمر ) وعلى هذا فلا ينبغي وضع الأهلة على رؤوس المنارات من أجل هذه الشبهة ، ومن أجل ما فيها من إضاعة المال والوقت " انتهى .

"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (13 / 941(.

ينظر جواب السؤال رقم : (1528)

فأين ما تقدم من زعم أن "الهلال شعار الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة."!!! وإذا أخذنا بهذا القول الذي لا أصل له تكون المملكة العربية السعودية قد تنكبت الكتاب والسنة، وخرقت إجماع الأمة بعدم اتخاذها الهلال شعارا في علمها الوطني، والحال نفسها تنطبق على الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، وإمارة قطر وغيرها من دول الخليج العربي الشقيقة أدام الله عليها نعمه...

كما أنه لا أصل لما ذهب إليه الشيخ من أن " الحمرة، عند أهل الفنون التشكيلية، تشير إلى الجريمة." فاللون الأحمر، في رمزية الألوان يشير إلى معاني إيجابية مثل  الشجاعة، والرجولة، والحيوية، والحب... وليست الجريمة ضمن ما يرمز إليه الأحمر من معاني سلبية. وما دام يعتقد، وغيره، الشر في اللون الأحمر فلماذا لم يحتجوا على اتخاذ "الهلال الأحمر" شعارا للإسعاف الطبي عند المسلمين!!!

خلاصة القول أن على المنتسبين إلى العلم اتخاذ الحيطة والحذر حين يطلقون الكلام على عواهنه، دون تمحيص. فقد أصبحت المعارف متاحة لمن أراد البحث عنها، ولم تعد الأنساب، والألقاب، والروابط الاجتماعية كافية لتمرير فتاوى وآراء بلا سند. فلم يعد الموريتانيون اليوم يكتفون بالظن أن صاحب الإغراب )ألا عند لُ شِ(، وإنما يطالبون بالدليل مخافة أن يكون المتنطع من الذين قال الله فيهم.." وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9(." الحج. فالواجب على المسلمين حماية دينهم من تخرصات أهل السياسة، وأصحاب الأهواء.. حتى لا تصبح المنابر متاجر تعرض عليها الفتاوى، والآراء حسب الطلب...

وليعلم الذي يجيشون الشارع، ويستغلون المنابر أن من يحاول بعث "الربيع" في عهد صعود ترامب، وسقوط ساركوزي، كمن يبحث عن "الحب في زمن الكوليرا"...

دكتور محمد إسحاق الكنتي

موت الصحافة في موريتانيا

 بالأمس القريب أغلقت إذاعتان مستقلتان أبوابهما كانتا تبثان على الموجة الترددية fm في مدينة انواكشوط؛ وتوقفت قنوات تلفزيونية مستقلة عن الإنتاج؛ إلا من دراما محلية تنتج في الغالب في رمضان؛ ولم تتطور الصحافة الورقية منذ نشأتها؛ إخراجا وتصويرا ومضمونا. ورغم ذلك نتحدث عن مكانة في حرية الإعلام في العالم العربي؛ وعن صندوق عمومي لدعم الصحافة.

 

الصحافة الوحيدة التي تعمل دون كلل هي الألكترونية؛ وتجمع الغث والسمين وتختلط فيها المدونات الشخصية والمواقع الألكترونية؛ وقليل منها من يعتمد على مراسلين وأركان ثابتة وميزانية وخط تحريري.

 

ليست الحالة الصحفية في البلد بمعزل عن الكتابة عموما وحركة النشر بشكل أعم ؛ والاعتماد على الشبكة العنكبوتية في استمرار الصحافة في العالم أصبح مطروحا لكن في موريتانيا أصبح واقعا.

 

وليس الأمر راجعا فقط إلى الدولة ولا إلى الصحافة نفسها ولا إلى القارئ وحده ؛ بل إليهم مجتمعين تنضاف لهم مسببات أخرى منها ضعف الاشتراكات وانعدام الترويج وعدم إلزام القطاع الخاص بالتدخل ؛ وكذلك إلى سوء التوزيع وهجران المتلقي لكل ماعدا الانترنت.

 

في العواصم الإفريقية المجاورة تونس وداكار والرباط تطالعك كبريات الصحف الدولية والمحلية في الصباح الباكر في المحلات التجارية؛ لأن التوزيع بحد ذاته تجارة؛ فلا الصحف مسؤولة عن الإعلان عن نفسها؛ ولا القارئ محتاج للبحث عنها في كل مكان ناهيك عن السوق الكبيرة مقارنة معنا.

 

لقد رفع المشرع الموريتاني عقوبات وعراقيل أمام الصحفي الموريتاني؛ لكن الأيام أثبتت أن الحرية وحدها لاتكفي للحياة.

 

كما أن البرامج ومقدميها ومضامينها في الإعلام المستقل صاروا أعلاما وجزء من صناعة الرأي العام لهم نصيبهم من التأثير.

إذا غلقت القنوات المرئية وبقية تلك المسموعة أبوابها فعلى السلطة العليا للسمعيات البصرية ووزارة الإعلام أن تحذو حذوها وتترك المجال لافتتاحيات الوكالة والشعب وأوريزونه وكذا إذاعة موريتانيا كي تتولى ماتبقى من فتات المهمة.

موريتانيا بلد حطم الرقم القياسي في المنتديات الكبرى والصغرى والأيام التشاورية التي طالما بقيت حبرا على ورق؛ لكن الإعلام السمعي البصري فيها لايحتاج لنكبة حتى تنكشف نكساته؛ فهو يحتضر وستدخل بموته الديمقراطية الموريتانية في نفق مظلم.

اسماعيل يعقوب الشيخ سيديا

أفكارٌ لإفشال الاستفتاء الذي تم إقراره من طرف واحد / محمد الأمين ولد الفاضل

أفكارٌ لإفشال الاستفتاء الذي تم إقراره من طرف واحد
قاطع أغلب الطيف المعارض الحوار الأحادي الذي نظمته السلطة مع نفسها في قصر المؤتمرات في الفترة ما بين 29 سبتمبر إلى 20 أكتوبر، ونظمت المعارضة من بعد مقاطعتها للحوار الأحادي مسيرة حاشدة مساء السبت الموافق 29 أكتوبر عبرت من خلالها عن رفضها القاطع لنتائج الحوار وعن استعدادها للوقوف ضد العبث برموز الوطن.

ولكن، وعلى الرغم من هذه المقاطعة الواسعة للحوار، وعلى الرغم من المسيرة الحاشدة فإن السلطة الحاكمة قد قررت أن تمضي قدما في استفتائها الرامي إلى تغيير العلم وإلغاء مجلس الشيوخ
واستحداث مجالس جهوية. إن عناد السلطة وإصرارها على المضي قدما في تنفيذ نتائج حوارها الأحادي يضع المعارضة التي التزمت أمام جماهير حاشدة من الشعب الموريتاني بأنها لن تقبل بالعبث برموز الوطن ، يضعها أمام تحد كبير، فهل ستكون المعارضة على مستوى التحدي أم أنها ستخذل مرة أخرى الحشود الكبيرة التي شاركت في مسيرة السبت، وأكدت من خلال تلك المشاركة عن رفضها للعبث بالدستور؟
وفي انتظار أن تجيب المعارضة على هذا السؤال فإن الشيء الذي يمكن قوله
هنا هو أن الخيارات المتاحة أمام المعارضة لإفشال الاستفتاء ـ الذي بشر
به وزير الدفاع في المؤتمر الأسبوعي للحكومة، وأقول وزير الدفاع وإن في
ذلك لدلالة ـ هي خيارات محدودة جدا وتتمثل في:
الخيار الأول : أن تشارك المعارضة في الاستفتاء وأن تصوت بلا لتظهر بأن
أغلبية الشعب الموريتاني ترفض التعديلات الدستورية. هذا خيار محتمل، ولكن
مخاطر هذا الخيار تتمثل في أن عملية الاستفتاء لن تكون شفافة، ويكفي أن
نعلم بأن الإشراف على الاستفتاء ستتولاه اللجنة المستقلة للانتخابات
وبنسختها الحالية، وهي النسخة التي كانت قد أثبتت من خلال إشرافها على
الانتخابات التشريعية والبلدية الماضية بأنها لا تمتلك من الكفاءة ولا من
الاستقامة ما يؤهلها للإشراف على أي عملية انتخابية يُراد لها أن تكون
ذات مصداقية. إن مشاركة المعارضة في هذا الاستفتاء ستعطي للاستفتاء
مصداقية، وذلك على الرغم من أن النتيجة ستكون محسومة سلفا لصالح التصويت
بنعم حتى ولو صوتت غالبية الشعب الموريتاني بلا، ومن هنا يظهر بأن هذا
الخيار سيكون هو الخيار الأسوأ بالنسبة للمعارضة.
الخيار الثاني : أن تعلن المعارضة عن مقاطعتها للاستفتاء، وهذا الخيار
سيكون أيضا عديم الفائدة فالمقاطعة التي لا تربك العملية الانتخابية،
والتي لا تتمكن من نزع المصداقية من الانتخابات ستبقى في النهاية مجرد
مقاطعة سلبية وبلا جدوى، ومن هنا تبرز أهمية السؤال الذي يقول : كيف يمكن
للمعارضة أن تربك العملية الانتخابية وهل بإمكانها أن تعري الاستفتاء
القادم وأن تظهره على أنه استفتاء بلا مصداقية؟
في اعتقادي بأنه بإمكان المعارضة أن تحقق ذلك، ولكن تحقيق ذلك يتطلب منها
أن تمسك هذه المرة بزمام المبادرة فتحدد ساحة المعركة وعنوانها وأساليب
إدارتها، ويمكن للمعارضة في هذا الإطار أن تجعل من التمسك بالعلم الوطني
سلاحا ذكيا لإفشال الاستفتاء في مجمله، ولنزع المصداقية من هذا الاستفتاء
الذي أحيل مشروع القانون المتضمن له إلى المجلس الدستوري لإبداء الرأي (
لو كان المجلس الدستوري حكيما لرفض المشروع ولأخرج بذلك النظام القائم من
الورطة التي وضع نفسه فيها). فأن تجعل المعارضة من مسألة تغيير العلم
سلاحها لإفشال الاستفتاء برمته فإن ذلك سيفيدها كثيرا، وذلك لجملة من
الأمور من أهمها:
1 ـ إن هناك أطرافا واسعة في موالاة الرئيس ترفض تغيير العلم، وهناك من
عبر بصراحة عن ذلك.
2 ـ  إن شهر نوفمبر (شهر الاستقلال) هو الظرف الزمني الأنسب لإطلاق حملة
واسعة للتمسك بالعلم الوطني.
3 ـ من المهم جدا أن تطلق حملة واسعة لرفع العلم الوطني في كل مكان على
أن تشارك في هذه الحملة كل القوى الرافضة لتعديل الدستور. إن مثل هذه
الحملة ستظهر وبأساليب حضرية بأن غالبية الشعب الموريتاني ترفض تغيير
العلم.
4 ـ  إن كل مواطن يمكنه أن يشارك في مثل هذه الحملة، والأهم من ذلك، هو
أن النظام سيقف مرتبكا فهو لا يمكنه أن يمنع المواطنين من رفع العلم
الوطني، وهو لا يمكنه أن يقوم بحملة مضادة يرفع فيها مشروع علمه المقترح،
وإن فعل فإنه سيكون بذلك قد نزع المصداقية من الاستفتاء، فما أهمية
الاستفتاء على تعديلات تم العمل بنتائجها من قبل تصويت الشعب الموريتاني
عليها؟
5 ـ هذه الحملة لن تكون مكلفة ماديا، وما ينفقه المنتدى في مسيرة
جماهيرية واحدة يفوق بكثير ما سينفق على هذه الحملة خلال شهر بكامله.
يبقى أن أشير أيضا إلى أن إفشال الاستفتاء يتطلب من المعارضة أن تغير من
خطابها في المرحلة القادمة، فمن الراجح بأن النظام القائم سيجعل من
المقاومة ومن الدفاع عنها مبررا لتعديلاته الدستورية الرامية إلى تغيير
العلم، ولن يكون مثل ذلك غريبا على نظام تعود على أن يقتات على الشعارات،
فالنظام القائم كان قد اقتات لفترة من الزمن على شعار "محاربة الفساد"،
وذلك من قبل أن ينكشف للناس بأن ما شهده العهد الحالي من فساد لم تشهده
العهود السابقة، والطريف في الأمر أن النظام ظل في تلك الفترة يصف كل
معارضيه برموز الفساد. نفس الشيء تكرر مع شعار "رئيس الفقراء" الذي خدع
الفقراء لفترة من الزمن وذلك من قبل أن يكتشفوا بأن حالهم في هذا العهد
قد ساء كثيرا، ونفس الكلام يمكن أن نقوله عن شعار تجديد الطبقة السياسية
وتمكين الشباب والذي خدع هو أيضا الشباب لفترة من الزمن، وذلك من قبل أن
يظهر بأن النظام القائم قد أعاد أغلب رموز الأنظمة السابقة حتى من دون
إعادة تدوير.
إن طريقة تعامل النظام القائم مع الشعارات وأساليبه في استغلالها ليؤكدان
بأنه قد أظلنا زمان شعار جديد ستمجد فيه المقاومة وسيوصف فيه كل من يعارض
التعديلات الدستورية بأنه من عملاء الاستعمار وبأنه من أبناء " أماليز"،
ولذلك فعلى المعارضة أن تعد لذلك خطابا يركز على الأمور التالية:
1 ـ إن الوريث الشرعي للمقاومة والذي يمثل روحها في أيامنا هذه هو ذلك
الذي يناضل ضد تفشي التطبيل والتصفيق وتمجيد الأنظمة الحاكمة، هو ذلك
الذي يرفض الدكتاتورية ويقف ضد الفساد والظلم. إن من يقاوم الدكتاتورية
في أيامنا هذه هو الوريث الشرعي لمن قاوم الاستعمار في النصف الأول من
القرن الماضي.
2 ـ  إن لدى النظام أكثر من طريقة غير تعديل الدستور للاحتفاء بالمقاومة
وتكريمها، فإنشاء وزارة خاصة بالمقاومة وأبناء الشهداء، وتدريس تاريخ
المقاومة في كل المراحل الدراسية، وتقديم جوائز كبرى باسم المقاومين إلى
غير ذلك، إن كل تلك الإجراءات ستبقى أعظم فائدة من إضافة شريطين أحمرين
على العلم الوطني قد يغيرهما في استفتاء آخر من سيصل إلى السلطة من بعد
الرئيس الحالي، فمن حق الرئيس القادم أن يضيف هو بدوره خطا أسود أو أبيض
ما دام العلم قد أصبح لعبة بيد الرؤساء، وما دام لكل واحد منهم الحق في
أن يترك بصمته على هذا العلم.
3 ـ إن من يهتم بالمقاومة وبتكريمها عليه من قبل أي شيء آخر أن يبعث
الحياة في المادة السادسة من الدستور الموريتاني، وعليه أن يعطي للغة
العربية وللغاتنا الوطنية المكانة اللائقة بدلا من تهميش هذه اللغات
لصالح لغة المستعمر، والذي نتفق جميعا على أنه كان هو العدو الأول
للمقاومين.
4 ـ إن من يهتم بالمقاومة عليه أن يحسن تدبير أموال الشعب، وعليه أن ينفق
تلك الأموال في إطعام الفقراء من الناس، وفي تعليمهم، وفي علاجهم، وفي
تشغيلهم بدلا من تبذير تلك الأموال في استفتاء عبثي يهدف إلى إضافة خطين
أحمرين إلى العلم ستكلف إضافتهما أموالا طائلة في الحاضر والمستقبل.
5 ـ إن المقاومة التي ظهرت في موريتانيا لم تكن تقاوم من أجل وطن،
فموريتانيا حينها لم تكن قد وجدت كدولة. إن هذه المقاومة كانت تقاوم
دفاعا عن الإسلام، ومن أراد أن يمجد هذه المقاومة فعليه أن يحتفظ بالعلم
بشكل الحالي والذي جمع بلونه وبهلاله وبنجمته أهم الرموز الإسلامية التي
يمكن أن يتضمنها علم وطني. نفس الشيء يمكن أن نقوله عن النشيد، ولو أن
سيدي ولد مولاي الزين و بكار ولد أسويد أحمد والحاج عمر تال الفوتي
وغيرهم ممن قاوم النصارى بعثوا فينا لكانوا هم أول من يرفض تغيير العلم
أو تغيير نشيد يبدأ بكن للإله ناصرا ويختتم ببيت يتضمن جزءا من آية كريمة
من سورة الكهف.
5 ـ إن الدفاع عن العلم والنشيد هو دفاع عن المقاومة، وكم سيكون رائعا أن
تختتم الحملة المقترحة في هذا المقال بمسيرة كبرى في يوم الاستقلال تحت
شعار "وفاءً للمقاومة" على أن يرفع العلم الوطني لوحده في تلك المسيرة.
حفظ الله موريتانيا..

المختار ولد داهي "صَنَادِيقُ الاقْتِرَاعِ" أَنْفَي "لِصَنَادِيقِ الذًخِيرَةِ"!!

يَمُرُ العالم الإسلامي عموما و العالم العربي خصوصا  منذ سنوات بحالة  غير مسبوقة و لا مَلْحُوقَةً في التاريخ الحديث  من"سَكْرَةِ عدم الاستقرار"  و"فقدان البوصلة الهادية" مما أدي إلي تحول بعض  البلدان العربية التي كانت آمنة مستقرة عندها قُوتُ شعبها إلي  دول فاشلة أو دول سائرة في طريق الفشل أو دول مصنفة تحت "خط الهشاشة السياسية و الاجتماعية"،...

و  يجمع المتابعون المشفقون علي الواقع العربي علي أنه ما من سبيل إلي استعادة الجسم العربي لعافيته إلا من خلال حسم مسألة الحكامة السياسية عبر إرساء ديمقراطية خالصة تامة الأركان لا  شكلية مغشوشة كما في بعض الدول العربية  و لا تدريجية "مُقَسًطَةٍ" كما هو الحال في بلدان عربية أخري  وساعتها ستَبْكَمُ المدافع و تضع الحرب الأهلية  أثقالها وأوزارها ذلك أن "صناديق الاقتراع أنفي لصناديق الذخيرة"!!

و  للبرهان علي أن صناديق الاقتراع أنفي لصناديق الذخيرة يكفي أن نلقي و لو"بِخَائِنَةِ الأَعْيُنِ"نظرة لاستنطاق  ثلاثة مؤشرات  هي الانقلابات العسكرية و الحروب الأهلية و "الحروب التقليدية" في الدول "الاكثر حظا في الديمقراطية" و التي يكون الاقتراع فيها نظيفا نقيا طاهرا و الدول الأخري "الأقل حظا في الديمقراطية"  والتي يكون الاقتراع فيها غائبا غيابا تاما أو مغشوشا مزيفا  مصطنعا و مُصَنًعًا  للاستهلاك الخارجي.!!

فما من ريب في أن من شواهد كون صناديق الاقتراع أنفي لصناديق الذخيرة ما هو ملاحظ  من أن الدول التي تعيش ديمقراطية  صافية خالصة لا تصيبها عدوي خطيئة الانقلابات العسكرية مطلقا كما هو الحال بالدول الأوروبية الغربية الراسخة في الديمقراطية و بعض دول العالم الثالث كالسنغال مثلا و إن حدث و أن أصابت عدوي الانقلابات تلك الدول فإنها تنفيها نفْيَ الكِيرِ خَبَثَ الحديد علي شكل و شاكلة  ما حدث في تركيا مؤخرا...

كما أن  مما يؤكد أيضا  صدقية أن  صناديق الاقتراع نافية لصناديق الذخيرة ما يَتَوَاتَرُ عليه المختصون و المهتمون من أن  فتنة الحروب الأهلية مهما  استعصت و طال عليها الأمد بالدول "الأقل حظا في الديمقراطية" فإنها "تضع عتادها و آلاتها" كلما تم التوافق علي إرساء ديمقراطية خالصة تبدأ بانتخابات بيضاء نقية تَسُرُ المغلوبين و الغالبين علي حد سواء و لا "تستيقظ" فتنة الحروب الأهلية إلا إذا تم الإخلال بكل أو بعض ضمانات الديمقراطية الخالصة.

وبخصوص مؤشر الحروب التقليدية تظهر الإحصائيات أن الحروب التقليدية بين الدول خلال الخمسينية الماضية كانت أطرافها في الغالب الأعم دولٌ أقل حظا في الديمقراطية بينما استطاعت  الدول "الأكثر حظا في الديمقراطية"  في الكثير من الحالات الحادة و الساخنة تسيير تعارضاتها و مناكفاتها و خلافاتها و تنازع مصالحها و بَغْيَ بعضها علي بعض أحيانا بالحوار  و بالتي هي أحسن  و بالدبلوماسية المتمرسة.

و سعيا إلي ترسيخ ثقافة صناديق الاقتراع و تحييد ثقافة صناديق الذخيرة ففي تقديري أن النخب العلمية و الفكرية العربية مطالبة علي طريقة الاستعجال بتصور مشروع إنقاذ عربي  فكري تجديدي يؤسس علي نجاحات الفكر القومي العربي و الفكر  السياسي الإسلامي و يستخلص الدروس من إخفاقاتهما  و يستأنس بتجارب ناجحة من التاريخ الأوروبي و الحاضر  الآسيوي.

و  يجدر أن تتم ترجمة مشروع الإنقاذ ذلك إلي تيار  فكري و مشروع مجتمعي  "يجدد  للأمة العربية فكرها السياسي"  و دماء يقظتها و نهضتها و "ثورتها" و "صحوتها" و طموحها لاستعادة حقوقها و مكانتها  و لن يجانب الصواب كثيرا  من  قد يتنبأ بأن علي  المشروع المجتمعي العربي الجديد المُجَدِدِ أن يتخذ من الديمقراطية و طَهَارَة صناديق الاقتراع نقطة ارتكاز و وسيلة وغاية في نفس الوقت.

لقد رفعنا التحدي... فطوبى لنا

لقد قررت بإرادة منى أن أساهم إعلاميا فى تقديم الصورة الناصعة لبلادى  وأن أوجه مواطنى بلادى  إلى ما ينفع البلد وصورته الخارجية من خلال تدويناتى عبرشبكات التواصل الإجتماعى وخرجاتى الإعلامية عبر الفضائيات والقنوات والصحف  والوكالات الوطنية العربية والدولية  قبل وبعد القمة العربية، وأرى ذلك واجبا وطنيا علي وعلى غيري ممن يمتلك مؤهلات القيام به، دون منة أورياء ولا ينتظر منه جزاء ولا شكورا من  أي كان، ويحز فى نفسى كثيرا أن أرى بعضا من أبناء وطنى ممن كان بإمكانهم  المشاركة فى هذ الواجب ولو يشاركوا لمبررات لم تقنعنى كثيرا وإن شاركوا فإنما  للتشويه والتشويش على أهم حدث تعرفه بلادنا منذ الإستقلال إلى يومنا هذا، ومن غريب ما سمعت عند آخرين أن سبب عزوفهم عن المشاركة فى إنجاح القمة راجع   لعدم إشراكهم فى لجان التحضير ولعدم تقدير خبرا تهم  وقدراتهم  وغير ذلك من مبررات ،لقد قلت لبعضهم إنى مثلكم تماما لم أدع ولم أشرك فى أي شيئ لكن الواجب الوطنى يستدعى مشاركتى من غير إذن من أي كان.

.

 لم تكن  بلادى موريتانيا تأخذ المساحة الكافية من الإهتمام عبر وسائل الإعلام العربية ، ولم تكن لتشكل مثار متابعة إلا فى حالات محدودة يغلب عليها طابع الحدث السياسى والمثير فى أكثر حالاته ، ولم تكن المواضيع المرتبطة بها مهما بلغت أهميتها تتصدر الشاشات ولامانشات الصحف العربية  وفي أغلب الأحيان إذا ماتم تناولها فيكون بمعلومات  ضئيلة  ومبتورة وغير دقيقة ،رغم ما تختزنه الذاكرة الجمعية للشعب الموريتانى من إسهامات  حضارية وثقافية تركت بصماتها فى المشرق  والمغرب وفى أصقاع كثيرة، ورغم  ما  تحفظه سجلات التاريخ من مواقف  ثابتة حول كل  القضايا العربية وفى  مقدمتها القضية المركزية  فلسطين و ما تلاها من قضايا تخص لبنان والعراق وسوريا  وليبيا وغيرها وحتى ولو كانت المواقف متضاربة و متباينة حولها لكنها تعبر عن اهتمام كبير بالشأن العربى ،  فلازال عطاء الشعب العربي الموريتانى مستمرا  وسيبقى كذلك، رغم ظروف الجغرافيا  التى شغلت بال الكثيرين من ابناء أمتنا المكلومة وهو يفكرون فى مستلزمات السكن و الراحة ليوم واحد أكثر من تفكيرهم فى عدة سنوات من القهر والموت والدماء التى تسيل هنا وهناك فى أكثر من بلد عربى وقبل ذلك فى فلسطين المنسية.

  مهلا يا كتبة العرب.. فإن كانت الجغرافيا  قد أحاطتكم برونقها وجمالها فقد أحاطتنا بصحرائها.. ببداوتها.. بخيامها.. بقيمها وبكرمها..

 إن فعل التاريخ أبلغ  وأجدى من فعل الجغرافيا   وكما كان  لنا فى التاريخ الماضى حضور ودور فلنا فى التاريخ الحديث أيضا حضور ودور ساهمت موريتانيا الجديدة فى صنعه  ولعل المثال الأبرز والقريب هو جرف مقر سفارة  الكيان  الصهيونى  بنواكشوط  وهو المقر الموبوء الذي يوجد سرا وعلانية فى أكثر من دولة عربية ..فقليلا من الإنصاف.... ياكتبة العرب..قليلا من الموضوعية وأنتم تتناولون عبر كتاباتكم  مخرجات قمة الأمل...تتناولونها تلبية لرغبات معروفة ومفهومة سلفا.. فإن كان ذلك ديدنكم فليس ديدننا ..قمة انواكشوط الناجحة بكل المعايير والمقاييس هي قمة إستثنائية في زمن استثنائي ولا شك ستعطى الأمل للمواطن العربى وهو يراقب  حالة التردى العربى المتدهور.. لقد حضر قمتنا الرؤساء و الأمراء وؤساء مجالس الوزراء ورؤساء الوفود ،لم تغب عنها دولة عربية   واحدة والتمثيل فى أي قمة أومؤتمر دولى معياره الرئيسى  هو حضورالدولة  لامن سيمثلها  أم ا المستوى فتحدده ظروف الدولة نفسها وللعلاقات البينية للمشاركين فى القمة دور بارز فى ذلك ،لكن لم تعلن دولة عربية مقاطعتها لقمة انواكشوط  بالرغم من وقوع ذلك فى قمم سابقة حضرتها شخصيا، سوريا وحدها  كانت الغائب  الحاضر  فى قمتنا  وقد حفظنا لها  مقعدها حتى يتصالح أبناؤها بإراتهم لابإرادات الآخرين  ...فلا تذهبوا بعيد ا يا كتبة العرب.. قمم العرب فى المرحلة الراهنة فيها أخذ ورد وفيها ما يقال بفعل تقاتلهم و تشرذمهم ومآسيهم ، والقمم العربية منذ  اندلاع دخان الصيف العربي وهي كرة نار تتدحرج  يخاف  الجميع من أن يطاله حريقها.. لقد تلقفناها لنطفئ نارها وقد أطفأناها بالفعل.. فلا احتجاج ولا مخاصمة.. لقدجعلنانارها هادئة وذلك بفعل نوايا الصادقة  وبفعل سياستنا  الحكيمة عندما حرصنا على أخذ العصا من الوسط، ففى قمة الأمل لم يعلن أي ضيف  معارضته لموقف من المواقف رغم تنا قضات المشاركين وتشعبهم وقوة الإصطفاف فيهم  ، عكس ما عرفته كل القمم الماضية التى شهدت احتجاجات وانسحابات ،  قمم  المغاضبة والإصطفاف .. فى قمتنا لم  نسعى لإرضاء زيد على حساب عمرو...لكننا بالمقابل أرضيناهما معا..لم نقبل أن نكون فيها أداة لأي كان كما توقع الكثيرون ، لكننا كنا فيها أصحاب رأي ورؤية ..  وتحملنا بكل شجاعة كل ما قد يترتب  على التوقيت  من إستعداد ومتطلبات . كان الجميع عند الموعد  قادة وشعبا.. ضرب فيها شعبنا أروع الأمثلة فى التضامن  لقد وضع جانبا كل تجاذباته السياسية والإجتماعية  و عرفنا فيها شبابنا فى الوقت  المناسب عندما دشن حملات تنظيف شوارعنا ،  عرفنا فيها وطنية كل طبقات شعبنا لم يتظاهر فيها متظاهر ، ولم توزع فيها  منشورات ولم ترفع فيها لافتات رغم قوة تبايننا و اختلا فنا فيما بيننا من مواقف وإشكالات تحدث هنا وهناك  ، حتى إعلامنا وإعلاميونا  كانوا فى أغلبهم  على مستوى الحدث فى السلوك والمهنية ، إنها مظاهر جميلة برهنت على تميزنا ، وقدرتنا  على رفع التحدى فى الأوقات الصعبة التى تسابق فيها الأقارب والأباعد للنهش منا والتقليل من شأننا. .

   لقد  طوينا صفحة الصورة النمطية عن بلادنا  و هي الصورة التى كنا فيها على طرف، لقد دخلنا من تاريخ الخامس والعشرين من يوليو 2016 عصر القمة و القمم ومن الباب الواسع، دخلنا فى صناعة التاريخ السياسى والديبلوماسى المعاصر، لم تعد موريتانيا كما كانت فى السابق إن حضرت فلا يعنى  حضورها الشيئ الكثير وإن غابت فلا  يذكرها ذاكر،  من اليوم سيذكرنا العرب إن جد جدهم   وسيعلمون بعد أن أظلمت ليا ليهم  أن ليالى انواكشوط  كانت مقمرة وأن صباحاتها كانت ممطره.. وأن خيامها تسع الجميع وفيها من الكرم الحاتمى الكثير، فهنيئا لموريتانيا قيادة وشعبا  هنيئا لكل قواها الأمنية .. هنيئا لكل قواها  الوطنية الحية ...هنيئا  لكم سيدى الرئيس على شجاعة الدعوة... هنيئا للجنة الوطنية المشرفة على التنظيم..  فقد كان دقيقا وفى ظرف قياسى ..هنيئا لكل موريتانيا على الأمن والسكينة وكرم الضيافة  الذى شعر به كل الضيوف..  .. هنيئا على نصاعة ورونق وجه مدينتنا .. وعلى نجاح قمة الأمل فقد بعثت فينا الأمل ...مزيدا من التألق يا موريتانيا.. لقد رفعنا التحدى.... فطوبى لنا

و أسدل الستار على السابعة و العشرين/الولي ولد سيدي هيبه

اسدل الستار بعد كسب رهان التنظيم يوم أمس 25/07/2016 على القمة العربية السابعة و العشرين وقد جرت في ظروف أمنية صحيحة. و لما أن تنظيمها لم يشك هو الآخر أي ضعف فإن الضيافة كانت على قدر أهل الحدث فقد حملت الخيمة القصر في رمزيتها كل الدلالة التاريخية و الشحنة العاطفية التي أريد لها أن تكون تعبيرا عنه في جمع أهل الانتماء الواحد و اللغة المشتركة و المصير المرتبط جغرافيا في كل لا يتجزأ من إطلالتيه الاستراتيجيتين على المحيطين الأطلسي و الهندي و حوض الأبيض المتوسط و شطي بحره الأحمر و بحره الميت و خليجه العربي و باب المندب الاستراتيجي من دون يدرك البعض من الضيوف ذلك نظرا لعوامل المد الثقافي الحديث الذي فك منذ قرنين على الأقل الارتباط مع شحنات المميزات و الخصوصيات التاريخية القديمة في بعدها المادي الذي ليست له قيمة الأثر الحضاري المدني كالحصون و القصور دور العبادة و قنوات الري و الطرق الحجرية لمرور العجلة وكل ما يدخل في جملة الآثار الخالدة بما حملت ذات تاريخ في وجه الزمن من علامات القوة و الصمود.
و لو أن هؤلاء تريثوا قبل إطلاق الأحكام المسبقة لأدركوا أن الخيمة التي انعقدت تحتها القمة أكثر فخامة و اتساعا و استيعابا للوسائل الحديثة و أبلغ تأثيثا من أية بناية أخرى من الخرسانة، و أن  اقتنائها كلف من الأموال ما يستحقه مؤتمر الضيوف.
و لما أن القمة نجحت إذا بمقياس التنظيم الجيد و الاستقبال الرفيع المستوى وكرم الضيافة و الأمن المشهود، فقد كان جدول أعمالها و كافة أوراق ملفات المؤتمر هي من عمل و إعداد و تقديم وزراء البلدان العربية و المختصين و المستشارين و الخبراء المعتمدين من الجامعة و كذا مندوبي دولها الذين عكفوا جميعهم منذ فترة على الإعداد و التحضير على خلفية التشاور و الاستقصاء و التدارس والتبادل لمجمل الاهتمامات و الخلافات و المتطلبات و اهتمامات القادة وتطلعات و طموحات الشعوب العربية سبيلا إلى الخروج من واقعها المتأزم و الملطخ بالحروب و عبث الإرهاب.
كما أن إدارة أعمال القمة كانت على مستوى عالي من الانسيابية والتحكم فتتالت الكلمات حاملة كلها اهتمام بلدانها و رؤساءهم و مقترحاتهم حول القضايا التي تمت ملامستها و حول القضايا المتعلقة بالتعاون الاقتصادي و الصحي و بالأمن الغذائي و الشأن الثقافي.
و إن لم تكن القمة قد خرجت كسابقاتها ببيانات و إعلانات عن التوصل إلى تسويات محل إجماع للقضايا الكبرى كالحروب المحتدمة في سوريا و العراق و اليمن و ليبيا و كمسألة إنشاء قوات عربية مشتركة في إطار الدفاع المشترك فإنها شهدت ـ و الأمر يحسب لها ـ مرونة غير اعتيادية في تناول هذه القضايا و جنوحا إلى لغة التهدئة و تجنب الصدام و إذكاء نيران الخلافات.
و فيما غلب طابع البكاء على الماضي البدوي القاسي بشح وسائل الراحة و بعد مصادر الإبداعات الجمالية بخيامه و ترحال أهله المضني على تسويق موريتانيا ثقافيا و سياحيا للأشقاء العرب و لم يستثمر هذا الوجه الذي فات سياقه الزمني بوسائل و آليات الحداثة كما تفعل مصر بتراثها الفرعوني التي بنت له قرية حية تستدر المال من زيارتها و ليس من البكاء على المعيتها حضارة ذات ماضي، فقد كان الأمر مختلفا من ناحية ما يتوفر عليه البلد من قدرات هائلة على استجلاب الاستثمارات العربية و غيرها حيث أبرزت وزارة المالية بالنشر و التوثيق المرئي بعض أهم جوانب ما يتوفر عليه من إمكانات و قدرات هائلة من شتى معادن نفيسة و أراضي زراعية خصبة على ضفاف النهر و ثروة سمكية فريدة و أخرى حيوانية بملايين الرؤوس من الأبقار و الإبل و الاغنام و من البترول و الغاز برا و في شواطئ المحيط.
و مهما اختلفت القراءات حول القمة السابعة و العشرين التي تمت على أديم موريتانيا بعد كسب رهان تنظيمها و حول نتائجها التي صيغت فيما أصبح يعرف بإعلان نواكشوط من ناحية و حول ما ستؤول إليه رئاسة الجامعة لعام مقبل، فإن موريتنيا قد سجلت في سجل تاريخ انعقاد القمم العربية محطة اتسمت بحضور تمثيل نوعي و مجريات قمة هادئة و ذات اهتمامات تجاوزت السياسي إلى قضايا التعاون و التكامل. و يبقى على العرب أن يتبعوا القرارات بالعمل لقطع خطوة أخرى من الألف ميل إلى الامام.